أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
149
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم
فظهر من هذا التفصيل ، أن واحدا منهم لم يبلغ زمن ظهور الكلام بأيدي أهل السنة والجماعة ، بل مضت مدتهم في زمن ظهور الاعتزال . ولعل اللّه سبحانه وتعالى قدر وجودهم في زمن أرباب الأهواء ، لتندفع بنورهم ظلم البدع عن الدين ، وتمتاز بحسن شعائرهم أركان الشرع وأساس اليقين ، سيما وقد وقع بشر ابن غياث المريسي : وهو الذي جدد القول بخلق القرآن ، وكان يقول بالارجاء ، من تلامذة أبي يوسف . وكان مسلم بن خالد ، الذي كان من مشايخ الشافعي بمكة ، كان من تلامذة غيلان بن مسلم الذي هو رئيس أهل الاعتزال ، كما مر . وأيضا كان حفص القرد ، الذي هو من ضلال أهل الاعتزال ، مناظرا له ، كما ذكرناه . ولا سيما قد جرى على أحمد بن حنبل واقعة عظيمة ، في سنة الداهية الدهياء والمصيبة العمياء ، من جهة الأمة النكراء . وكان ذلك بسبب القاء أحمد بن دؤاد للمأمون القول بخلق القرآن ، وحسنه عنده ، وأراه إياه حقا ، حتى تبعه المأمون ، وأقاموا فتنة عظيمة سنة ثمان عشرة ومائتين ، فأجابه طائفة خوفا من السيف ، منهم يحيى بن معين ، وامتنع آخرون ، منهم أحمد بن نصر الخزاعي حتى قتلوه ، والإمام أحمد بن حنبل حتى ضربوه بالسياط . وستعرف تفاصيل هذه الواقعة إن شاء اللّه تعالى . ولو رأت هذه الأئمة أبا الحسن الأشعري ، أو سمعوا مقالته ، لأنزلوه منزلة أحب أبنائهم ، وجعلوا أتباع طريقته أساس إيمانهم ، فضلا عن الانكار ، والعدول عن فضيلة الاقرار . ومما يدل على حقية مذهبه ، ارتضاء من يخلف بعده من العلماء والفضلاء أساطين الحكمة ، ورؤساء الكلام ، بل المشايخ العارفون من أهل التصفية والذوق . ولم ينقل عن واحد من هؤلاء ، من مبدأ ظهور الأشعري ، إلى زماننا هذا ، وهو ثمان وأربعون وتسعمائة من الهجرة ، إنكار شيء من مذهبه ولو في شيء قليل . ولا شك أن اتفاق الأمة ، والمدة هذه ، ( على الضلال ، من قبيل الممتنع